أبي الفرج الأصفهاني

464

الأغاني

من الشكر إنّ الشكر خير مغبّة وأوفق فعلا للَّذي كان أصوبا [ 1 ] فصرت كمن أمسى يقطَّع رأسه ليبلغ عزّا كان فيه مركبّا فبكّ بني هارون واذكر فعالهم وقتلهم للجوع إذ كنت مسغبا [ 2 ] / قال الزبير : فحدّثني محمّد بن الحسن عن محرز بن جعفر قال : التقى عبّاس بن مرداس وخوّات بن جبير يوما عند عمر بن الخطَّاب رضي اللَّه عنه ، فقال خوّات : يا عباس أأنت الَّذي رثيت اليهود ، وقد كان منهم في عداوة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما كان ! فقال عباس : إنهم كانوا أخلَّائي في الجاهلية ، وكانوا أقواما أنزل بهم فيكرمونني ، ومثلي يشكر ما صنع إليه من الجميل ، وكان بينهما قول حتى تجاذبا ، فقال له خوّات : أما واللَّه لئن استقبلت غرب [ 3 ] شبابي ، وشبا أنيابي ، وخشن جوابي ، لتكرهنّ عتابي . فقال عبّاس : واللَّه يا خوّات ، لئن استقبلت عنّي وفنّي [ 4 ] وذكاء سنّي ، لتفرّنّ منّي ، إيّاي تتوعد يا خوّات ، يا عاني [ 5 ] السوآت ! / واللَّه لقد استقبلك اللؤم فردعك [ 6 ] ، واستدبرك فكسعك [ 7 ] ، وعلاك فوضعك ، فما أنت بمهجوم [ 8 ] عليك من ناحية إلَّا عن فضل لؤم ؛ إيّاي - ثكلتك أمّك - تروم ؟ وعليّ تقوم ؟ واللَّه ما نصبت سوقك ، ولأظهرنّ عليك [ 9 ] بعد ؛ فقال عمر لهما : إما أن تسكتا وإما أن أو جعكما ضربا ، فصمتا وكفّا ، أخبرني بذلك علي بن نصر قال : حدّثني الحسن بن محمّد بن جرير ، وحدّثني الحرمي بن أبي العلاء ، قال : حدّثنا عبد الرحمن بن الحسن عن أبيه مثل ذلك . وللعباس مع خوّات مناقضات أخر في هذا المعنى ، كرهت الإطالة بذكرها . رثاه أخوه بشعر قال أبو عبيدة : وكان العباس وسراقة وحزن وعمرو بنو مرداس كلَّهم من الخنساء بنت عمرو بن الشريد ، وكلَّهم كان شاعرا ، وعبّاس أشعرهم ، وأشهرهم وأفرسهم وأسودهم ، ومات في الإسلام ، فقال أخوه سراقة يرثيه : / أعين ألا أبكي أبا الهيثم وأذري الدموع ولا تسأمي وأثني عليه بآلائه بقول امرئ موجع مؤلم [ فما كنت بائعه بامرىء أراه ببدو ولا موسم ] [ 10 ] أشدّ على رجل ظالم وأدهى لداهية ميثم [ 11 ]

--> [ 1 ] في ب ، س ، ج « من السكران السكر » وهو تصحيف . [ 2 ] أسغب : دخل في المجاعة فهو مسغب ، كما يقال : أقحط : دخل في القحط . [ 3 ] الغرب : الحدّة . والشبا جمع شباة ، وهي حد كل شيء . [ 4 ] العنّ : الاعتراض . والفنّ : الأمر العجب ، رجل معنّ مفنّ ( كمقص ) . معنّ : أي يعتن ويعترض في كل شيء ، مفن : يأتي بالعجائب ، ومفن أيضا ذوفنون من الكلام . والذكاء : شدّة وهج النار . [ 5 ] أي يا أسير السوآت . [ 6 ] ردعه بالشي كفتح : لطخه به . [ 7 ] كسعه بالسيف كمنع ، ضرب دبره به . [ 8 ] في ب ، س « بمجهوم » وهو تحريف والتصويب عن « ها » . [ 9 ] في ج ، ها « عنك » . [ 10 ] هذا البيت ساقط من ب ، س ، ج وقد أثبتناه عن « ها » . [ 11 ] ميثم : شديد الوطء .